منتديات الحكيم الثقافية الشاملة
منتديات شبكة الحكيم الشاملة ترحب بكم وتتمنى لكم زيارة مفيدة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» تحميل مكتبة التشريعات المصرية حصريا
الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 12:25 pm من طرف HAKEEM

» تحميل مكتبة التشريعات المصرية حصريا
الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 12:20 pm من طرف HAKEEM

» تحميل مكتبة التشريعات المصرية حصريا
الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 12:18 pm من طرف HAKEEM

» وان من الشعر لحكمة
الثلاثاء نوفمبر 22, 2016 9:09 pm من طرف HAKEEM

» الجسد الروحي أو الجسد الاثيري
الثلاثاء أكتوبر 04, 2016 7:28 pm من طرف eman74

» 39 مفتاح للسعادة
الثلاثاء أبريل 12, 2016 1:19 am من طرف HAKEEM

» عادات النجاح السبع
السبت أبريل 09, 2016 10:39 pm من طرف HAKEEM

» نظرية الدفوع الجنائية أمام القضاء الجنائي
الأربعاء فبراير 24, 2016 5:26 pm من طرف HAKEEM

» علاج الحزن والاكتئاب من واقع القرآن والسنة
السبت فبراير 13, 2016 3:11 pm من طرف HAKEEM

» وكونوا مع الصادقين
الأحد يناير 31, 2016 6:34 pm من طرف HAKEEM

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
البحث في صحة الحديث
الدرر السنية


بحث عن:

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
HAKEEM
 
eman74
 
rony
 
kimo_kajo
 
dody505
 
alkaysi
 
Basheer
 
heba
 
maximme
 
hamdi mohamad
 

سحابة الكلمات الدلالية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

www.elhakeem.110mb.com Kimo Ahmed

Create Your Badge

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتديات الحكيم الثقافية الشاملة على موقع حفض الصفحات


قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ

اذهب الى الأسفل

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ

مُساهمة من طرف HAKEEM في الجمعة يونيو 13, 2014 12:37 am


   قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)

     كان الأمر شاقا على المسلمين من العرب , الذين ألفوا في الجاهلية أن يعظموا حرمة البيت الحرام ; وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم . وزاد الأمر مشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر , واتخاذه حجة عليهم !

وكان الرسول [ ص ] يقلب وجهه في السماء متجها إلى ربه , دون أن ينطق لسانه بشيء , تأدبا مع الله , وانتظارا لتوجيهه بما يرضاه . .

ثم نزل القرآن يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول [ ص ]: (قد نرى تقلب وجهك في السماء , فلنولينك قبلة ترضاها , فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). .

وتقول الروايات:إن هذا كان في الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة , وإن المسلمين حينما سمعوا بتحويل القبلة , كان بعضهم في منتصف صلاة , فحولوا وجوهم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم , وأكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة .

عندئذ انطلقت أبواق يهود - وقد عز عليهم أن يتحول محمد [ ص ] والجماعة المسلمة عن قبلتهم , وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تعاظمهم وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم - انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم وفي أساس عقيدتهم . . قالوا لهم:إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة ; وإن كانت حقا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل , وضائعة صلاتكم إليه كلها . . وعلى أية حال فإن هذا النسخ والتغيير للأوامر - أو للآيات - لا يصدر من الله , فهو دليل على أن محمدا لا يتلقى الوحي من الله !

وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي من مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع , منذ قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها)- وقد استغرق درسين كاملين في الجزء الأول - ومن مراجعة هذا الدرس في هذا الجزء أيضا . ومن التوكيدات والإيضاحات والتحذيرات التي سندرسها فيما يلي تفصيلا عند استعراض النص القرآني .

أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة , واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها . فقد كان هذا حادثا عظيما في تاريخ الجماعة المسلمة , وكانت له آثار ضخمة في حياتها . .

لقد كان تحويل القبلة أولا عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية أشارت إليها آية في هذا الدرس:

(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه). . فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم , ويعدونه عنوان مجدهم القومي . . ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله , وتجريدها من التعلق بغيره , وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة , المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم . . فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام , واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى , ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية , ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية , وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر , اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة , ممن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ ; أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد . .

حتى إذا استسلم المسلمون , واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول [ ص ] وفي الوقتذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم , صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام . ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه . هي حقيقة الإسلام . حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصا لله , وليكون تراثا للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولا منهم بالإسلام , الذي كان عليه هو وبنوه وحفدته . . كما مر في درس: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن). . في الجزء الماضي .

ولقد كان الحديث عن المسجد الحرام:بنائه وعمارته , وما أحاط بهما من ملابسات ; والجدل مع أهل الكتاب والمشركين حول إبراهيم وبنيه ودينه وقبلته , وعهده ووصيته . . كان هذا الحديث الذي سلف في هذه السورة خير تمهيد للحديث عن تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بعد هذه الفترة . فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل , ودعوا عنده ذلك الدعاء الطويل . . يبدو في هذا السياق هو الاتجاه الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده مع ربه . فهو الاتجاه الحسي المتساوق مع الاتجاه الشعوري , الذي ينشئه ذلك التاريخ .

لقد عهد الله إلى إبراهيم أن يكون من المسلمين ; وعهد إبراهيم بهذا الإسلام إلى بنيه من بعده , كما عهد به يعقوب - وهو إسرائيل - ولقد علم إبراهيم أن وراثة عهد الله وفضله لا تكون للظالمين .

ولقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل بإقامة قواعد البيت الحرام . . فهو تراث لهما , يرثه من يرثون عهد الله إليهما . . والأمة المسلمة هي الوارثة لعهد الله مع إبراهيم وإسماعيل ولفضل الله عليهما ; فطبيعي إذن ومنطقي أن ترث بيت الله في مكة , وأن تتخذ منه قبلة .

فإذا اتجه المسلمون فترة من الزمان إلى المسجد الأقصى , الذي يتجه إليه اليهود والنصارى , فقد كان هذا التوجه لحكمة خاصة هي التي أشار إليها السياق , وبيناها فيما سبق . فالأن وقد شاء الله أن يعهد بالوراثة إلى الأمة المسلمة , وقد أبى أهل الكتاب أن يفيئوا إلى دين أبيهم إبراهيم - وهو الإسلام - فيشاركوا في هذه الوراثة . . الآن يجيء تحويل القبلة في أوانه . تحويلها إلى بيت الله الأول الذي بناه إبراهيم . لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة . حسيها وشعوريها , وراثة الدين , ووراثة القبلة , ووراثة الفضل من الله جميعا .

إن الاختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة:الاختصاص والتميز في التصور والاعتقاد ; والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة . وهذه كتلك لا بد من التميز فيها والاختصاص . وقد يكون الأمر واضحا فيما يختص بالتصور والاعتقاد ; ولكنه قد لا يكون بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة . . هنا تعرض التفاتة إلى قيمة أشكال العبادة .

إن الذي ينظر إلى هذه الأشكال مجردة عن ملابساتها , ومجردة كذلك عن طبيعة النفس البشرية وتأثراتها . . ربما يبدو له أن في الحرص على هذه الأشكال بذاتها شيئا من التعصب الضيق , أو شيئا من التعبد للشكليات ! ولكن نظرة أرحب من هذه النظرة , وإدراكا أعمق لطبيعة الفطرة , يكشفان عن حقيقة أخرى لها كل الاعتبار .

إن في النفس الإنسانية ميلا فطريا - ناشئا من تكوين الإنسان ذاته من جسد ظاهر وروح مغيب - إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن المشاعر المضمرة . فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ أو لا تستقر حتى تتخذ لها شكلا ظاهرا تدركه الحواس ; وبذلك يتم التعبير عنها . يتم في الحس كما تم في النفس . فتهدأ حينئذ وتستريح ; وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغا كاملا ; وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن ; وتجد تلبية مريحة لجنوحها إلى الأسرار والمجاهيل وجنوحها إلى الظواهر والأشكال في ذات الأوان .

وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها . فهي لا تؤدي بمجرد النية , ولا بمجرد التوجه الروحي . ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلا ظاهرا:قياما واتجاها إلى القبلة وتكبيرا وقراءة وركوعا وسجودا في الصلاة . وإحراما من مكان معين ولباسا معينا وحركة وسعيا ودعاء وتلبية ونحرا وحلقا في الحج . ونية وامتناعا عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم . . وهكذا في كل عبادة حركة , وفي كل حركة عبادة , ليؤلف بين ظاهر النفس وباطنها , وينسق بين طاقاتها , ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص .

ولقد علم الله أن الرغبة الفطرية في اتخاذ أشكال ظاهرة للقوى المضمرة هي التي حادت بالمنحرفين عن الطريق السليم . فجعلت جماعة من الناس ترمز للقوة الكبرى برموز محسوسة مجسمة من حجر وشجر , ومن نجوم وشمس وقمر , ومن حيوان وطير وشيء . . حين اعوزهم أن يجدوا متصرفا منسقا للتعبير الظاهر عن القوى الخفية . . فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة , مع تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة . فيتوجه الفرد إلى قبلة حين يتوجه إلى الله بكليته . . بقلبه وحواسه وجوارحه . . فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى الإنسان في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان ; وإن يكن الإنسان يتخذ له قبلة من مكان !

ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه . . فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد ; كما أنه بدوره ينشىء شعورا بالامتياز والتفرد .

ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم , التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء . ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات . وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات . كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة . وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم , وعقلية عن عقلية , وتصورا عن تصور , وضميرا عن ضمير , وخلقا عن خلق , واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه .

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:إن رسول الله [ ص ] قال:" إن اليهود والنصارى لا يصبغون , فخالفوهم " .

وقال رسول الله [ ص ] وقد خرج على جماعة فقاموا له:" لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها " .

وقال - صلوات الله وسلامه عليه -:" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا:عبد الله ورسوله " .

نهى عن تشبه في مظهر أو لباس . ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك . ونهى عن تشبه في قول أو أدب . . لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور , ومنهجا في الحياة عن منهج , وسمة للجماعة عن سمة .

ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض . نهى عن الهزيمةالداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض . فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين . والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية ; فينبغي لها أن تستمد تقاليدها - كما تستمد عقيدتها - من المصدر الذي اختارها للقيادة . . والمسلمون هم الأعلون . وهم الأمة الوسط . وهم خير أمة أخرجت للناس . فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم ? ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم ? إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه !

ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور , وأقوم منهج في الحياة . فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه . وما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر ; وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر ; وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى . فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله , والوحدة في الأرفع من التصور , والوحدة في الأفضل من النظام , ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله , والتردي في مهاوي الجاهلية . . ليس متعصبا . أو هو متعصب . ولكن للخير والحق والصلاح !

والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه . إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة . فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز . رمز للتميز والاختصاص . تميز التصور , وتميز الشخصية , وتميز الهدف , وتميز الاهتمامات , وتميز الكيان .

والأمة المسلمة - اليوم - بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا , وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا , وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا , وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا . . الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة ; والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة ; والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور ; والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده , فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها . .

إن هذه العقيدة منهج حياة كامل . وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة , الشهيدة على الناس , المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله . . وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان , وفي الأهداف والاهتمامات , وفي الراية والعلامة . وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له , وأخرجت للناس من أجله . وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار , مبهمة الملامح , مجهولة السمات , مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام !

ثم نعود من هذا الاستطراد بمناسبة تحويل القبلة لنواجه النصوص القرآنية بالتفصيل:

الدرس الأول:142:الرد على إشاعات السفهاء بشأن تحويل القبلة

(سيقول السفهاء من الناس:ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ? قل:لله المشرق والمغرب . يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس , ويكون الرسول عليكم شهيدا . وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله . وما كان الله ليضيع إيمانكم . إن الله بالناس لرؤوف رحيم).

من السياق القرآني ومن سياق الأحداث في المدينة يتضح أن المقصود بالسفهاء هم اليهود . فهم الذين أثاروا الضجة التي أثيرت بمناسبة تحويل القبلة كما أسلفنا . وهم الذين أثاروا هذا التساؤل: (ما ولاهم عن قبلتهمالتي كانوا عليها ?)وهي المسجد الأقصى .

عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال:أول ما قدم رسول الله [ ص ] المدينة نزل على أجداده - أو قال أخواله - من الأنصار ; وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا ; أو سبعة عشر شهرا ; وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت , وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ; وصلى معه قوم , فخرج رجل ممن صلى معه , فمر على أهل مسجد وهم راكعون . فقال:أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله [ ص ] قبل الكعبة , فداروا كما هم قبل البيت . وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس , فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك , فنزلت: (قد نرى تقلب وجهك في السماء . . .)فقال السفهاء - وهم اليهود - (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) .

وسنلاحظ أن علاج القرآن لهذا التساؤل ولتلك الفتنة يشي بضخامة آثار تلك الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف المسلم في ذلك الحين . .

والذي يظهر من صيغة التعبير هنا:

(سيقول السفهاء من الناس:ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ?).

أن هذا كان تمهيدا لإعلان تحويل القبلة في المقطع التالي في هذا الدرس , وأخذا للطريق على الأقاويل والتساؤلات التي علم الله أن السفهاء سيطلقونها . . أو كان ردا عليها بعد إطلاقها , - كما جاء في الحديث السابق - اتخذ هذه الصيغة للإيحاء بأن ما قالوه كان مقدرا أمره , ومعروفة خطته , ومعدة إجابته . وهي طريقة من طرق الرد أعمق تأثيرا .

وهو يبدأ في علاج آثار هذا التساؤل , والرد عليه بتلقين الرسول [ ص ] ما يواجههم به , ويقر به الحقيقة في نصابها ; وفي الوقت نفسه يصحح التصور العام للأمور .

(قل:لله المشرق والمغرب , يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). .

إن المشرق لله والمغرب لله . فكل متجه فهو إليه في أي اتجاه . فالجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها . إنما يفضلها ويخصصها اختيار الله وتوجيهه . . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فإذا اختار لعباده وجهة , واختار لهم قبلة , فهي إذن المختارة . وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم . .

بذلك يقرر حقيقة التصور للأماكن والجهات , وحقيقة المصدر الذي يتلقى منه البشر التوجهات , وحقيقة الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه إلى الله في كل حال .

الدرس الثاني:143 وظيفة الأمة المسلمة وتميزها بقبلتها

ثم يحدث هذه الأمة عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون , وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض , وعن مكانها العظيم في هذه البشرية , وعن دورها الأساسي في حياة الناس ; مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة , وشخصيتها الخاصة ; وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم:

(وكذلك جعلناكم أمة وسطا , لتكونوا شهداء على الناس , ويكون الرسول عليكم شهيدا). .

إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا , فتقيم بينهم العدل والقسط ; وتضع لهم الموازين والقيم ;وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ; وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها , وتقول:هذا حق منها وهذا باطل . لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها . وهي شهيدة على الناس , وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا , فإن الرسول هو الذي يشهد عليها ; فيقرر لها موازينها وقيمها ; ويحكم على أعمالها وتقاليدها ; ويزن ما يصدر عنها , ويقول فيه الكلمة الأخيرة . . وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها . . لتعرفها , ولتشعر بضخامتها . ولتقدر دورها حق قدره , وتستعد له استعدادا لائقا . .

وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل , أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد , أو من الوسط بمعناه المادي الحسي . .

(أمة وسطا). . في التصور والاعتقاد . . لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي . إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد , أو جسد تتلبس به روح . وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد , وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها , وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع , بلا تفريط ولا إفراط , في قصد وتناسق واعتدال .

(أمة وسطا). . في التفكير والشعور . . لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجرتة والمعرفة . . . ولا تتبع كذلك كل ناعق , وتقلد تقليد القردة المضحك . . إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب ; وشعارها الدئم:الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها , في تثبت ويقين .

(أمة وسطا). . في التنظيم والتنسيق . . لا تدع الحياة كلها للمشاعر , والضمائر , ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب . إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب , وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب ; وتزاوج بين هذه وتلك , فلا تكل الناس إلى سوط السلطان , ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان . . ولكن مزاج من هذا وذاك .

(أمة وسطا). . في الارتباطات والعلاقات . . لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته , ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ; ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته . . إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ; وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه . ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو , ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة ; وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة , والجماعة كافلة للفرد في كافلة للفرد في تناسق واتساق .

(أمة وسطا). . في المكان . . في سرة الأرض , وفي أوسط بقاعها . وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب , وجنوب وشمال , وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا , وتشهد على الناس جميعا ; وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة ; وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك ; وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء .

(أمة وسطا). . في الزمان . . تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها ; وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها . وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها ; وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى ; وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات , ورصيدها العقلي المستمر في النماء ; وتسيربها على الصراط السوي بين هذا وذاك .

وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها , إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها , واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها , واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها ! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها .

وأمة تلك وظيفتها , وذلك دورها , خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية , فللقيادة تكاليفها , وللقوامة تبعاتها , ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى , ليتأكد خلوصها لله وتجردها , واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة .

وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها , بمناسبة تحويلهم الآن عنها:

(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه). .

ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة , التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة , المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة . إنه يريد لها أن تخلص له ; وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها ; وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة ; وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية , ومن كل شعار اتخذته , وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر , وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر .

ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة ; وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك , ومن عصبية الجنس , إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس . . والله يريده أن يكون بيت الله المقدس , لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره , ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته .

لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى , فقد صرف الله المسلمين عنه فترة , ووجههم إلى بيت المقدس , ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا ; ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول [ ص ] ثانيا , ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله , والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة , فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة .

إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة . . إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ; ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح ; إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور . جل أم صغر . وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه). . والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون . ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس , حتى يحاسبهم عليه , ويأخذهم به . فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم , بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم .

ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية , والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة . . أمر شاق , ومحاولة عسيرة . . إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق , وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه:

(وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله). .

فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات , وأن تنفض عنها تلك الرواسب ; وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع , حيثما وجهها الله تتجه , وحيثما قادها رسول الله تقاد .

ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم . إنهم ليسوا على ضلال , وإن صلاتهم لم تضع , فالله سبحانه لا يعنت العباد , ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ; ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها:

(وما كان الله ليضيع إيمانكم , إن الله بالناس لرؤوف رحيم). .

إنه يعرف طاقتهم المحدودة , فلا يكلفهم فوق طاقتهم ; وإنه يهدي المؤمنين , ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان , حين تصدق منهم النية , وتصح العزيمة . وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته , فاجتياز البلاء فضل رحمته: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم). .

بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة , ويذهب عنها القلق , ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين . .

الدرس الثالث:144 - 145 توحيد الأمة بالقبلة الواحدة

بعد ذلك يعلن استجابة الله لرسوله [ ص ] في أمر القبلة ; ويعلن عن هذه القبلة مع تحذير المسلمين من فتنة يهود , وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم . . في صورة تكشف عن مدى الجهد الذي كان يبذل لإعداد تلك الجماعة المسلمة , ووقايتها من البلبلة والفتنة:

قد نرى تقلب وجهك في السماء , فلنولينك قبلة ترضاها , فول وجهك شطر المسجد الحرام , وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره . وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم , وما الله بغافل عما يعملون . ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك , وما أنت بتابع قبلتهم , وما بعضهم بتابع قبلة بعض . ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين . الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . الحق من ربك فلا تكونن من الممترين . ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات , أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا , إن الله على كل شيء قدير . ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام . وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون . ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام , وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره , لئلا يكون للناس عليكم حجة . إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني , ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون . .

وفي مطلع هذه الآيات نجد تعبيرا مصورا لحالة النبي [ ص ]:

(قد نرى تقلب وجهك في السماء). .

وهو يشي بتلك الرغبة القوية في أن يوجهه ربه إلى قبلة غير القبلة التي كان عليها . بعدما كثر لجاج اليهود وحجاجهم ; ووجدوا في اتجاه الجماعة المسلمة لقبلتهم وسيلة للتمويه والتضليل والبلبلة والتلبيس . . فكان [ ص ] يقلب وجهه في السماء , ولا يصرح بدعاء , تأدبا مع ربه , وتحرجا أن يقترح عليه شيئا , أو أن يقدم بين يديه شيئا .

ولقد إجابه ربه إلى ما يرضيه . والتعبير عن هذه الاستجابة يشي بتلك الصلة الرحيمة الحانية الودود:

(فلنولينك قبلة ترضاها). .

ثم يعين له هذه القبلة التي علم - سبحانه - أنه يرضاها:

(فول وجهك شطر المسجد الحرام). .

قبلة له ولأمته . من معه منها ومن يأتي من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:

(وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). .

من كل اتجاه , في أنحاء الأرض جميعا . . قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها , واختلاف مواقعها من هذه القبلة , واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها . . قبلة واحدة , تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها . فتحس أنها جسم واحد , وكيان واحد , تتجه إلى هدف واحد , وتسعى لتحقيق منهج واحد . منهج ينبثق من كونها جميعا تعبد إلها واحدا , وتؤمن برسول واحد , وتتجه إلى قبلة واحدة .

وهكذا وحد الله هذه الأمة . وحدها في إلهها ورسولها ودينها وقبلتها . وحدها على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات . ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها ; ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها ; ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها . . إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان ; فالإنسان يجتمع على عقيدة القلب , وقبلة العبادة , إذا تجمع الحيوان على المرعى والكلأ والسياج والحظيرة !

ثم . . ما شأن أهل الكتاب وهذه القبلة الجديدة ?

(وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم). .

إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول الذي رفع قواعده إبراهيم . جد هذه الأمة الوارثة وجد المسلمين أجمعين . وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند الله لا مرية فيه . .

ولكنهم مع هذا سيفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه . فلا على المسلمين منهم ; فالله هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم:

(وما الله بغافل عما يعملون). .

إنهم لن يقتنعوا بدليل , لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل ; إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى , والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه:

(ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك). .

فهم في عناد يقوده الهوى , وتؤرثه المصلحة , ويحدوه الغرض . . وإن كثيرا من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه , أو لأنه لم يقدم إليهم في صورة مقنعة . . وهذا وهم . . إنهم لا يريدون الإسلام لأنهم يعرفونه ! يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم وعلى سلطانهم ; ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر , بشتى الطرق وشتى الوسائل . عن طريق مباشر وعن طرق أخرى غير مباشرة . يحاربونه وجها لوجه , ويحاربونه من وراء ستار . ويحاربونه بأنفسهم ويستهوون من أهله من يحاربه لهم تحت أي ستار . . وهم دائما عند قول الله تعالى لنبيه الكريم: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك).

وفي مواجهة هذا الإصرار من أهل الكتاب على الاعراض عن قبلة الإسلام ومنهجه الذي ترمز هذه القبلة

*******************************
سُبْحَانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ واستَغفر الله العَظيمْ وَأتوبُ إليَه

HAKEEM
HAKEEM
Admin

عدد الرسائل : 574
العمر : 44
الموقع : www.elhakeem.110mb.com
تاريخ التسجيل : 22/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elhakeem.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى